نصر حامد أبو زيد

14

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

الدفاع عن وجودنا ذاته بعد أن أفلح العدو أو كاد في اختراق الصفوف في محاولة نهائية لإعادة تشكيل وعينا ، أو بالأحرى في محاولة لسلبنا وعينا الحقيقي ليزودنا - عبر مؤسساته الثقافية والاعلامية - بوعي زائف يضمن استسلامنا النهائي لخططه وتبعيتنا المطلقة له على جميع المستويات . وإذا كان علماء الماضي قد استجابوا للتحدي الذي كان مطروحا عليهم استجابة حققت إلى حد ما « الحفاظ » على التراث من الضياع ، فان التراث الذي حفظوه لنا هو التراث الرجعي بالمعنى الذي سبق أن أشرنا اليه . ما عسانا نحن اليوم أن نفعل استجابة لتحدي اليوم بوصفنا دارسين وباحثين ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تختلف لا شك طبقا لاختلاف مواقف الباحثين من الواقع الذي نحياه بكل ما ينتظمه من قوى وصراعات ، كما أنها تختلف باختلاف وعي الباحث - النابع من موقفه - بمشكلات هذا الواقع ومعضلاته وتصنيفه لها طبقا لأولوياتها في ذهنه . يذهب البعض مثلا إلى أن خلاصنا الحقيقي يتمثل في العودة إلى الاسلام بتطبيق أحكامه وتحكيمه في حياتنا كلها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية انتهاء إلى أصغر التفاصيل في حياة الفرد والجماعة . وأصحاب هذا الاتجاه وان كانوا اليوم أعلى صوتا - بحكم ظروف عديدة ليس هنا مجال التعرض لها - لا يكادون يقدمون لنا مفاهيم كلية أو تصورات للتغيير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي . انهم لا يتجاوزون الاستشهاد بما حققه المسلمون بالاسلام من تقدم وحضارة ، ويفسرون هذا التقدم بمجرد « اتباع » المسلمين للنصوص وتحكيمها في حياتهم . وإذا سألناهم كيف نحقق العودة إلى « الاسلام » إذا صح افتراضكم أننا تخلينا عنه لا نكاد نجد من إجابة سوى « تطبيق أحكام الشريعة » وهو المطلب الذي تتبناه وتنادي به الآن كل القوى التي تصف نفسها باسم « الدينية » . إن المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة الاسلامية واعتبارها مطلبا أوليا في الفكر الديني المعاصر مع التسليم بصحة منطلقاتها النظرية وثب على الواقع وتجاهل له ، خاصة إذا تم اختزاله في مسألة تطبيق أحكام « الحدود » كما هو الأمر عند كثير من الجماعات التي تطلق على نفسها اسم « الاسلامية » « 1 » . إن حصر غاية الدين وأهدافه في رجم الزاني وقطع يد السارق

--> ( 1 ) إن وصف فكر لنفسه بأنه « ديني » ، ووصف قوى معينة - اجتماعية أو سياسية - لنفسها بصفة « دينية » أو « إسلامية » معناه نفي هاتين الصفتين عن غير هذه الجماعات أو هذه القوى . وليس تقبل هذه « الأوصاف » واستخدامها في وصف هذه « القوى » من جانب قوى اجتماعية أو سياسية أخرى إلا تكريسا لهذا النفي والحصر للصفتين « دينية » و « إسلامية » . وليس هذا كله ، في التحليل الأخير ، سوى تعميق لمفهوم « الدين » يقصره على الشعائر والعبادات في حين أن « الدين » مفهوم ثقافي عام يتجاوز حدود العقائد والشعائر .